فؤاد ابراهيم
127
الشيعة في السعودية
إن عملية الفصل هذه تبدو ضرورية من أجل تخليص الجيل المقبل من دوامة اكتشاف الخطأ ، لا الحقيقة في التشيّع ، فما يتوهم أنها نفحة إلهية أفضت إلى تغيير موازين القوى لا ينال قسطا موازيا من الموثوقية لدى من هم خارج مجال تأثير الأفكار الإيمانية في شكلها الأسطوري ، ولتخفيف وطأة الفكرة نقول : ما كان ممكنا إيمانيا في فترة سابقة ليس بالضرورة كذلك في فترة يزاول فيها العقل دور الحراسة على حركة الأفكار ودورانها . إن العقلانية المفتوحة هي التي تتيح للتشيّع الاتكاء على إرادة الحوار مع العالم الخارجي ، حيث لا معرفة مكتملة يمكن للتشيّع أو غيره من المعتقدات الإيمانية المغلقة أن يكتفي بها ويقلع عن الانفتاح على الآخر ، فحتى العقائد الإيمانية الكبرى تظل في مسيس الحاجة إلى إعادة تفسير لنصوصها من أجل البقاء على قيد الحياة ، ولملء اعتقاد المنتمين إليها بجدوى التمسّك بها في مواجهة مضخّات الأفكار التي توجّه مجرى التاريخ . إن الرهط المنشق أو بالأحرى المشتق من داخل التشيّع الحركي يحمل معه رؤية نقدية بشأن الماضي ، أي بشأن تجربة معيشة ، وله تفسيره الخاص لها ، ولكن لا نفترض أن تتجاوز مهمته تقديم الحلول لمشكلات قد يكون هو متورطا فيها . يجب عدم تحميل هذا الرهط أكثر مما يطيق ، فمهمته - كما هو شأن الجماعات الإصلاحية التي تتشكل من داخل حركات اجتماعية كبرى - تقف في هذه المرحلة على الأقل عند حد إنتاج الأسئلة وليس تقديم إجابات . وليست مهمة الرهط الشيعي التجديدي تخليص التشيّع من نفحات الخلاص أو دسائس الأسطورة المندسّة فيه ، فلا مجال اليوم للشك في أن العقائد بكل ضروبها ، تحقق انتشارها بالاتكال على قائمة روايات شعبية وأساطير وتوهمات تبدو لنا عبثية . علما أن مهمة هذا الرهط ليست التخلي عن المطامح السياسية الكبرى التي ينطوي عليها التشيّع بوصفه أيديولوجية مقاومة ، فسيظل التشيّع بهذا المعنى أملا لمجتمعات سادها الظلم والحرمان وتجد فيه لغة للإفصاح عن معاناة خاصة ، أو وسيلة للجهر بالسوء . إن مهمة هذا الرهط هي صنع فناء جديد في أفق الوعي الشيعي الحركي . فما صنعته الإنجازات